باعتبارها أحد النواقل الأساسية للأوبئة وتشويه المنظر العام
بلدية مسقط تسعى لتأطير ظاهرة إطعام الطيور في الساحات العامة
***********
• من باب الرفق بالحيوان إلى مخاوف من تفشي الأوبئة وانتشار القوارض وتشويه الساحات العامة.
• جهود حثيثة نحو تأطير (تنظيم) ظاهرة إطعام الطيور.
كتبت: زوينة الحاتمية
تتعدد صور الاحسان وأوجهها إذ كل إحسان لإنسان أو طير أو حيوان هو صدقة وما بين اكتساب الأجر والثواب وتشويه المنظر للساحات العامة في المحافظة تتعارض الآراء في التوجهات حول ظاهرة إطعام الطيور مع الاتفاق على ضرورة أن تُراعى المصلحة العامة إذ يراها البعض ظاهرة تضفي البهجة على النفوس في حين يراها آخرون بأنها مظهر غير حضاري يترتب عليه آثار لاحقة تكبد الدولة أموالاً طائلة في توفير العمالة والآليات لتنظيف الموقع الملوث بيئياً.
نوايا انسانية:
وفي هذا الشأن تقول مروة المخينيه ــ أخصائية نظم بيئية بالمديرية العامة لصون الطبيعة في هيئة البيئة " بدأت الظاهرة من باب الرفق بالحيوان وحفظ النعمة، ليتزايد التخوف فيما بعد من تحولها إلى بؤر للأمراض والتلوث البيئي نتيجة التوسع في تلك الممارسات غير المنظمة، حيث أن إلقاء بقايا الطعام على الشوارع بغرض إطعام الطيور هي ظاهرة انتشرت في الآونة الأخيرة بكثرة في الأماكن العامة والشوارع و الأسواق بشكل عام على الرغم من كونه عمل إنساني لطيف إلا أن أدائه بطريقة تسئ للمنظر العام والبيئة بشكل خاص كما أنها تشكل مصدر لانتشار الجراثيم والأمراض"
وتسهب المخينية " قد تعود مسببات انتشار الظاهرة إلى لمنطلقات دينية؛ كإحياء السنة النبوية "في كل كبد رطبة أجر"، وإعادة الإنتفاع من الطعام الزائد عن الحاجة حتى تستفيد منه الطيور والحيوانات الأخرى، من جانب آخر ترتبط الظاهرة أيضاً نحو تعويد النشء على بعض القيم الاجتماعية والعادات الأصيلة المتوارثة، مثل تعليم الأطفال وتعويدهم على الرفق بالحيوان، دون الإدراك والوعي الكامل إلى عواقب هذه الممارسات غير المنظمة إلى ما قد تحمله من مخاطر قد تهدد النظام الصحي والبيئي معاً.
واختتمت المخينية قولها " ترتب على هذه الممارسات العشوائية وغير المؤطرة تزايد الخوف المؤسسي والمجتمعي الواعِ من أن تتحول إلى بؤر للعديد من الجراثيم والأمراض؛ حيث أن فضلات الطيور وبقايا الطعام تعتبر حاضن للكثير من البكتيريا والفيروسات، كما أن بعض الطيور تعد نواقل رئيسية لبعض الأمراض التي تصيب الانسان، أضف إلى ذلك أن بعض الطيور المنجذبة للطعام المتواجد في المكان طيور غازية ضارة مثل طائر المينا على سبيل المثال، الذي يقضي على المحاصيل الزراعية وعلى الطيور الأخرى والحشرات مخلفاً بذلك كوارث بيئية نتيجة اختلال التوازن البيئي إضافة إلى المخاطر الاقتصادية، كما قد تؤثر الظاهرة بصورة واضحة على السياحة البيئية نتيجة تلوث المكان وانتشار الروائح المزعجة مما يؤدي إلى نفور الناس منها وبالتالي تؤثر تأثيراً سلبياً على السياحة البيئية.
ثقافة مجتمع:
وفي ذات الشأن تقول سوسنة بنت هلال الرحبية ـــ أخصائية نظم بيئية في هيئة البيئة أنه "قد يكون لهذه الظاهرة منطلقات دينية؛ من باب حفظ النعمة وعدم إهدار الطعام كان، التي تُعد أيضاً جزء من ثقافة المجتمع وعاداته التي ظهرت مع كثرة الولائم والتجمعات، وإلى جانب عدم إلمام الناس بالطرق المثلى للتخلص من الطعام المتبقي بدون رميه في مكبات النفايات أو في العراء لإطعام الطيور والحيوانات."
وتُضيف الرحبية قائلة " قد يكون من وجهة نظر المجتمع بأنه لا أضرار صحية أو اقتصادية واضحة ومباشرة لهذه الظاهرة، وقد يعتبرونها منفذ لكسب الأجر من الطيور والحيوانات السائبة؛ ولكن في الجهة المقابلة فإن هذه الموائد تصنف من مستقطبات الطيور بأنواعها، والأخطر في الموضوع الطيور الغازية التي تجد في هذه الأطعمة مصدر طعام مستمر، يساهم في بقائها، وهي في الوقت ذاته وكر للجراثيم بأنواعها التي تنتقل عبر هذه الطيور للإنسان والحيوانات الأخرى".
وتقترح الرحبية في ذلك " أن من أفضل الحلول وأحدثها للجمع بين التخلص من الأطعمة المتبقية بشكل مرضي، وبين عدم رميها في الساحات هو استخدام الآلات التي تعمل على تحويل الأطعمة إلى أسمدة صالحة للأشجار والنباتات، وكذلك زيادة الوعي العام بالمخاطر الصحية لموائد الأطعمة الملقية من خطر الطيور الغازية".
أعباء خدمية:
و تقول أسمهان بنت محمد الشكيلية باحثة اجتماعية بدائرة الشراكة المجتمعية ببلدية مسقط " نتيجة توجه البعض لإطعام الطيور في أماكن عشوائية والجهل للأضرار المتعددة والتي تؤثر على جمالية المظهر العام وسلامة المجتمع بالإضافة إلى العديد من الآثار الاقتصادية من ضمنها هدر المال العام نتيجة ما تتحمله الجهات المختصة من أعباء لتنظيف الساحات والتعقيم إضافة إلى مضاعفة الجهود المبذولة في مكافحة القوارض والبعوض والتي قد تتكاثر بشكل أكبر نتيجة إلقاء الطعام على الأرض، الأمر الذي يستدعي معه ضرورة وجود قوانين منظمة للحد من انتشار هذه الظاهرة على نطاق أوسع، إلى جانب تكثيف البرامج التوعوية بجميع اللغات العربية والإنجليزية والأوردية وغيرها من اللغات لغير الناطقين بالعربية، سواء بشكل مباشر من خلال المحاضرات التوعوية أو من خلال اللوحات الإعلانية للشوارع الرئيسية والمنشورات الكتابية والتلفزيونية والإذاعية، مع أهمية التعاون مع مختلف الجهات ذات الصلة كلاً في مجاله والتركيز على آثارها الصحية والاقتصادية والبيئية على حدٍ سواء.
تتأثر أحيائنا السكنية:
وتقول فاطمة العجمي "بأن ظاهرة إطعام الطيور بدأ تأثيرها يظهر بشكل واضح ومباشر في أرجاء الحي الذي أسكن فيه وكذلك في الشوارع الحيوية، مما أدى هذا الأمر إلى تشويه المنظر العام لهذه الأماكن، وليس هذا فقط بل من خلال هذه الحركة العشوائية باتت بيوتنا لا تخلو من فضلات الطيور الأمر الذي يؤدي إلى تشويه المنظر الجمالي للمنازل، وقد لاحظت الكثير من الجاليات التي تطعم الطيور من باقي طعامهم مما يؤدي ذلك إلى تجمع الطيور والحشرات وزيادة الفضلات وانتشار الروائح المزعجة"
نواقل للأمراض:
وتضيف فاطمة" أن هناك عدد من الأضرار المترتبة من انتشار هذه الظاهرة فإلى جانب تشويه المنظر العام للمنازل والمنشآت والتي بدورها تكلّف الأهالي أعباء مالية تتمثل في صبغ البيوت بشكل مستمر، كما تسهم هذه الظاهرة في انتشار القوارض والحشرات التي تتجمع بسبب تجمع الطعام وبالتالي تُعَد أحد نواقل الأوبئة والأمراض، كما تؤدي في أحيان كثيرة إلى عرقلة السير والتسبب في حوادث نتيجة حجب الرؤية الواضحة للطريق ناهيك عن الجهود التي تتكفلها البلدية في تنظيف مخلفات الطعام والطيور وتنظيف الأرصفة ".
تخصيص ساحات:
حيث تقترح فاطمة اللواتيه" نحو تخصيص ساحات محددة لإطعام الطيور ، وكذلك إلى إصدار قانون صارم يخالف كل من يقوم بإطعام الطيور في غير المكان المخصص لها، كما شددت العجمية أن يتضمن القانون في أحد مواده التركيز على نوع معين من الطعام كالحبوب الجافة وغيرها للإطعام وليس كل الطعام المطبوخ والذي يكون مصدر للروائح وجذب الحشرات والقوارض".
وفي ذات السياق أشار زكريا بن سالم الغزالي" أن مقترح تخصيص مساحة محددة لإطعام الطيور هو الحل الأمثل في سبيل التخلص من المخاطر البيئية من خلال تخصيص أوعية تحفظ الطعام من الانتشار في الشوارع وتلوثها، على أن تكون في أماكن بعيدة عن الأحياء السكنية والأسواق؛ إذ يُسهّل وصول الطيور إلى هذه الحافظات وتقضي على عشوائية إطعامها، كما أن من شأن هذه الطريقة المساهمة في خفض الآثار البيئية والجمالية للمكان والتقليل من إنزعاج المواطنين من تطاير الريش إلى جانب التقليل من اتساخ الساحات ببقايا الأطعمة التي تتسبب في تغير لون الرصيف بشكل أحدث تشوهاً بصرياً وصحياً ساهم في تكاثر القوارض والكلاب الضالة إلى جانب تكاثر البعوض وما ينقله من أخطار".
المبدأ.. لا ضرر ولا ضرار:
وقد لفت الغزالي إلى " أن المبدأ العام الذي لابد أن ينطلق منه الموضوع هو ضرورة عدم التسبب في الإيذاء سواء كان للمارة أو مرتادي الطريق للمشاة والسيارات إذ تؤدي هذه الظاهرة إلى جلب الكلاب الضالة وبالتالي يتعدى خطورتها ليطال الضرر على الأطفال مما يؤدي إلى تقييد حركتهم والخروج من المنزل للعب ".
ويؤكد الغزالي أن الأمر يحتاج إلى تنظيم، حيث يقول" أنا لستُ مع المنع بالمطلق ولكن التأكيد على اختيار المكان المناسب لإطعامها بما يُعزّز الحرص على الآداب العامة في عدم وضع الأذى في طريق الناس، كما لابد من حماية المرافق العامة وعدم إتلاف المال العام وعدم تحميل الدولة كلفة اضافية في تنظيف الطرقات، كما أن التنظيم يُسهم في تعزيز أعمال المكافحة التي تبذلها البلدية ضد القوارض والبعوض والأوبئة.
دور المجتمع المسؤول:
ويؤكد إسحاق بن خميس الخنجري قائلاً " فمن غير المنطق أن يكون إطعام الطيور بنيّة كسب الأجر وفي الوقت ذاته يتم تكبيد الدولة مبالغ مالية، إضافة لتشويه المنظر العام، وإحداث تلوث بصري، ناهيك عن الحوادث المرورية بسبب كثرة الطيور المتواجدة وما تحدثه من حجب للرؤية».
وأوضح الخنجري أنه «و من منطلق المسؤولية المجتمعية التي تتحتم على كل فرد أن يكون مسؤول تجاه مجتمعه وتجاه الآخر؛ إذ لا يوجد نص تشريعي أو تنظيم قانوني يمكن العمل بموجبه لمنع المواطنين أو المقيمين من إطعام الطيور، ولكن الأمر يتوقف على الفرد ومدى احساسه بالمسؤولية تجاه مجتمعه وتجاه الآخر، ومدى اهتمامه بنظافة المكان، إذ أن هناك عدة حلول لردع تلك الفئة، ومنها أن يكون التوجه بالدرجة الأولى توعوياً من خلال وضع لافتات على الدوارات وغيرها بمنع وتجريم من يقوم بإطعام الطيور».
البلدية وقوانينها:
تجدُر الإشارة إلى أن بلدية مسقط تبحث مع الجهات المعنية في سبيل تنظيم الموضوع استناداً إلى الأمر المحلي رقم (1/2006) بشأن وقاية الصحة العامة، في المادة رقم(45) في الفصل الخامس من القرار المذكور التي تنص على" يتعين على شاغلي العقارات وكل مسؤول عن أي مبنى أو أرض أو مرفق صحي أو بئر أو حاوية مخصصة لحفظ المياه أو ما يمثلها أو أوعية مياه الشرب المخصصة للحيوانات والطيور أو برك المياه، أن يقوم بأعمال المكافحة، وعليه أن يتخذ التدابير والاحتياطات اللازمة لمنع توالد القوارض وتكاثر انتشار البعوض والذباب والحشرات الأخرى، وأن يلتزم يتعليمات وإرشادات البلدية والسلطات الصحية"
كما تنوّه على أن الجميع مشترك في الحد من انتشار هذه الظاهرة وما يمكن أن تخلفه من تبعات، وعليه يجب على الجميع المساهمة بما من شأنه التقليل من تلك التبعات، ومن باب المسؤولية المجتمعية تحث بلدية مسقط على التعاون في ذلك عن طريق الإبلاغ عن هذه الظاهرة عبر مركز اتصالات مسقط(1111) أو عبر مختلف قنوات التواصل الاجتماعي المختلفة التابعة لبلدية مسقط ، كما تحث على ضرورة الرقابة الذاتية في التقليل من مثل هذه الممارسات العشوائية وتوعية المواطنين والمقيمين بعدم رمي بقايا الأطعمة على الرصيف.